فخر الدين الرازي

205

تفسير الرازي

ورابعها : قوله : * ( يؤتكم خيراً ) * وخامسها : قوله : * ( مما أخذ منكم ) * وسادسها : قوله : * ( ويغفر لكم ) * فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم ، فما الموجب للتخصيص ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : سبب نزول الآية هو العباس ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أما قوله : * ( إن يعلم الله في قلوبكم خيراً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يجب أن يكون المراد من هذا الخير : الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف ، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته . المسألة الثانية : احتج هشام بن الحكم على قوله : إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية ، لأن قوله : * ( إن يعلم الله في قلوبكم خيراً ) * فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط هو حصول هذا العلم ، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل ، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى . والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال : ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم . أما قوله : * ( يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : قرأ الحسن * ( مما أخذ منكم ) * على البناء للفاعل . المسألة الثانية : للمفسرين في هذا الخير أقوال : القول الأول : المراد : الخلف مما أخذ منهم في الدنيا . قال القاضي : لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله : * ( ويغفر لكم ) * فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا . ولقائل أن يقول : إن قوله : * ( ويغفر لكم ) * المراد منه إزالة العقاب ، وعلى هذا التقدير : لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضاً الثواب والتفضل في الآخرة . والقول الثاني : المراد من هذا الخير ثواب الآخرة ، فإن قوله : * ( ويغفر لكم ) * المراد منه في الآخرة ، فالخير الذي تقدمه يجب أيضاً أن يكون في الدنيا . والقول الثالث : أنه محمول على الكل . فإن قيل : إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه الله خيراً مما أخذ منه ؟